الكاتب :: د. علاء الدين آل رشي
----------------------------
تديين الثورة مشكلة أم حل ؟!
أدى الاصطفاف الديني وراء سلطة بشار كجهة ساقطة، ووراء كلمة الشعب واختيار الحرية، إلى خلق تشوش واضح فينما يصر البزم والفرفور والبوطي على شرعية بشار يصر آخرون وفي مقدمتهم د. عبد الكريم بكار والأستاذ عصام العطار والأستاذ معاذ الخطيب . وغيرهم على بطلان أي شرعية لبشار...
دفع البوطي ثمن قناعته ومناصرته لحكم بشار سمعته و انتهى الامر بتعرّضه للاغتيال يوم 21 مارس 2013 وتبادل الثوار والنظام تهم تصفيته،
كان موقف الشيخ البوطي يتماشى مع اقتناعه المذهبي بعدم صحة وجواز الخروج على السلطة...
على أرض الواقع بدأت تختلف الرايات، وبفضل الشيخ محمد عدنان العرعور وغيره وتطرف السلطة أيضاً بدأت الثورة تصطبغ بشعارات دينية مباشرة نقلتها من حراك وتحرر وطني عام إلى خندقة مذهبية صرفة، الأمر الذي أوقعها في فخ النظام وتحولت الثورة إلى أشبه بالصراع الطائفي وتحول معنى الدين من المعنى الجامع الى الرايات المتعددة والتي نحت منحى العسكرة الطائفية أيضاً وكذلك جلب النظام الفرق الشيعية بدعاوى عدة لحماية الأضرحة ومنازلة التكفيريين ...
وبدأ تديين الثورة يصبح مشكلة حقيقية فقد أفتى حسون وعلماء السلطة بوجوب الجهاد مع بشار، وفي المقابل كان قد سبق الإفتاء الرسمي للسلطة السورية فتاوى عدة ومؤتمرات تدعو الى وجوب الجهاد ضد بشار ...
بدأ ينمو في الظلام وبشدة وبعمق التفسير الأحادي للدين وتظهر التشكيلات العسكرية المتتالية باسم الثورة، التي تركت المعنى العسكري الذي أسسه البطل هرموش ( الجيش الحر )، وصارت الفرق والكتائب تتخذ مسميات دينية محضة، بل وتم رفع شعارات و أسماء الجمع الدينية وتوسع تجيير التدين بفضل تعنت السلطة حتى دخل حيز الاقتتال الطائفي ...
وهنا لابد من التذكير أن لكل الشعوب أديانها وفي كل الحروب يستثمر الجانب الديني لتقوية روح المواجهة والمجابهة بل ويشير بعض الباحثين أنه في المراحل التاريخية تظهر وبجلاء علاقة الدين بالثورات، سواء في التجربة الغربية، أو التجربة العربية و الإسلامية، ففي العديد من التجارب الأوروبية أو الأمريكية أو الأمريكية اللاتينية، استطاعت الكنيسة أن تشكل عنصر تغيير للكثير من الأنظمة الاستبدادية، والدعوة للانفتاح الديمقراطي وتغيير النخب الحاكمة، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة، ومن ذلك تجارب كل من البرازيل، وإسبانيا، والبرتغال، وبولندا وغيرها من التجارب.
إن الدين كان دائماً حاضراً بمعنى من المعاني، في الكثير من الثورات الأوروبية والأمريكية اللاتينية..
وإذا كانت الكنيسة قد شكلت منطلق التغيير في العديد من التجارب السابقة الذكر، فإن استحضار دور المسجد في الثورات العربية، لم يكن من باب الرومانسيات أو الحنين إلى الماضي، او بغرض إقامة دولة دينية أو فرض حكم "ثيوقراطي"، وإنما بالأساس لما مثله من بديل عملي للوسائط السياسية التقليدية، كالأحزاب والمنطمات والحركات الاجتماعية التي جرى قمعها وإنهاكها طوال العقود الماضية.وهكذا كانت تظاهرات التغيير الحاشدة، التي هزت أنظمة الحكم في تونس ومصر وسورية واليمن وليبيا.
لكن ليس من الممكن أن يتم حرف الثورة عن معناها بسبب الدين.. فهذه مصيدة ومكيدة من مكائد النظام حيث زج الثورة في قفص الاتهام المتطرف وسوق الثورة أنها ثورة تطرف ضد سلطة شعب ونظام وحكومة !!!
لمع نجم جبهة النصرة لأهل الشام تشكيل عسكري ينتمي إلى الفكر السلفي الجهادي ، أواخر سنة 2011 سرعان ما نمت قدراتها كما تشير الدراسات و لتصبح في غضون أشهر من أبرز قوى الثورة وأقساها على جيش نظام بشار الأسد لخبرة رجالها وتمرسهم على القتال. تبنت النصرة عدة هجمات في حلب ودمشق.دعت الجبهة في بيانها الأول الذي أصدرته في 24 يناير/كانون الثاني 2012 السوريين للجهاد وحمل السلاح في وجه النظام السوري.
تألم النظام من ضربات النصرة وغيرها ولكنه في جانب آخر بدأ يقوى ويسوق المواجهة العنيفة بينه وبين الثورة وكأنها استعادة للبلد من جيوش السلفيين والجهاديين وحماية للشعب من ظلام المتطرفين، وكسب نقاطاً عدة لصالحه إعلامياً، فقد ربطت تقارير استخباراتية أمريكية تنظيم النصرة بتنظيم القاعدة في العراق.
وهذا ما منح النظام قوة وضوءاً أخضر في الإسراف في القتل والتنكيل بالثورة ...
لم تستطع الثورة أن تؤصل معنى المواطنة دينياً بل عمقت خطابات بعض المحسوبين على الثورة التهييج والتخويف وربط كلمة الله اكبر بالدم وبالتفجير والنحر !!!
وتحول الدين من هوية مجتمع إلى تجاذبات متناحرة تفرض جدران العزلة والتكفير !!!
يمكن تعريف الفاعلين السياسيين الإسلاميين الثوريين على أنهم هؤلاء " الفاعلون الذين يستخدمون النصوص والمرجعية والرموز الإسلامية في تحديد هويتهم ورسم الأطر العامة لنشاطاتهم داخل الفضاءات الفكرية والسياسية والاجتماعية والدينية " وكانت المصيبة أن أقوى الفاعلين العسكريين المتحدثين باسم الدين والثورة هم التنظيمات الأكثر تشددا والتي جرت إلى الثورة المزيد من الحصار العالمي والاستثمار الطائفي من قبل النظام أيضاً ...
تم الإجهاز على مقولات الثورة الأولى (الشعب السوري واحد).. وتم تعميق روح الطائفية، الأمر الذي أكسب النظام دعماً منقطع النظير من أصدقاء طائفته عالمياً...
تتسم خريطة الفاعلين السياسيين الثوريين الإسلاميين بالتمايز من حيث المرجعيات الخاصة بكل تيار إسلامي من ناحية ، وعدم التجانس بين هؤلاء الفاعلين من ناحية ثانية، بحيث تختلف الجماعات المكونة للتيار السلفي على سبيل المثال عن جماعات أخرى في الأساس الفكري والأيديولوجي...
لم تكن الثورة تهدف في البداية الحقيقية لفكرة أسلمة المجال العام لسوريا ولكن وقع تديين الثورة في مطب خطر حيث تبنت فصائل عسكرية فكرة الخلافة ليظهر لاحقاً تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام ...
يتبـع
