الكاتبة: ياسمين الشام الحرة
=================
بَرَزَ الثَعلَبُ يَوماً
في شِعارِ الواعِظينا
فَمَشى في الأَرضِ يَهذي
وَيَسُبُّ الماكِرينا
وَيَقولُ الحَمدُ لِلهِ إِلَهِ العالَمينا
يا عِبادَ اللَهِ توبوا
فَهوَ كَهفُ التائِبينا
وَاِزهَدوا في الطَيرِ إِنَّ العَيشَ عَيشُ الزاهِدينا
وَاطلُبوا الديكَ يُؤَذِّن
لِصَلاةِ الصُبحِ فينا
ما أكثر الثعالب التي ارتدت حلّة الواعظين و صارت تخرج علينا بين الفينة و الأخرى بخطبة عصماء، تارة في الوطنية و تارة في الديمقراطية و تارة في ضرورة الوصول لجبهة موحّدة و قيادة واحدة على قلب رجل واحد، يكون همّها الأول و الأخير إعادة حقوق الشعب و إسقاط نظام الإجرام الأسديّ!
ومن إحدى تلك المواعظ نجد دعوات الديمقراطية و نيل الحريات، و أهمية استعادة الحقوق المغتصبة وممارسة التعددية السياسية..
لكنها لا تلبث تحمل بين ظهرانيها سياسة خبيثة جداً تمّ التخطيط لها بعناية فائقة، لكيلا تصبّ في غير إطار مصالح أصحاب تلك الدعوات وحساباتهم الاقتصادية و الثقافية و التاريخية و السياسية.. ألا و هي سياسة "فرّق تسد".
هذه السياسة القديمة الجديدة التي انبرى لها الغرب وبذلوا لها كلّ جهد و سلكوا لأجلها كل فجاج المكر و الخبث، بعد أن دثّروها بلباس حب نشر الديمقراطية و زيّنوها بشعارات رنّانة عن حقوق الإنسان.
لازلنا نذكر تلك التصريحات الدولية يوم أن خرج الشعب السوري بثورته ضد الظلم و الاستبداد و التي شرعنت له ذلك الخروج بل و حثّته على الاستمرار و عدم الرضوخ و التراجع عن نيل حقوقه التي يطالب بها لأجل خلاصه من نظام دكتاتوري مستبد، فكان من ضمن الصيحات التي لم تغادر إطاراً واحداً .. "على الأسد أن يغادر السلطة" ، "لقد اقترب موعد رحيل الأسد"، "الأسد يستعمل أساليباً وحشية في قمع شعبه" ... وحينما كانت تشتد وتيرة الإجرام كان المجتمع الدولي ممثلاً بالأمم المتحدة يصل فقط لمرحلة القلق !
بيد أنّنا لم نكن نجد تحركاً إيجابياً واحداً لمصلحة الشعب السوري، بل كرّسوا جهودهم كلها لبثّ التفرقة بين الصفوف و التحريض على العداوة و البغضاء، فما وجدوا يوماً تآلفاً و اجتماعاً إلا و سعوا لنقض عراه و تهديم لبناته ونسف أساساته.
بل و الأشد وقاحة وسخافة من كلّ هذا، أنهم اليوم يسعون لوضع يدهم "على العلن" بيد المجرم بشار، لأجل القضاء على الإرهاب.. الإرهاب الذي صنعوه و روّجوا له و أطلقوا له العنان و سهّلوا له كلّ السبل لأجل قمع شعب خرج يطالب بحقوقه الفطرية.
ولذلك بلا شكّ أسباب داخلية في الصفوف ذاتها، على رأسها الابتعاد عن منهج الله، و الجهل. ولعلّ أهم سبب يمكننا تسليط الضوء عليه قليلاً هم العملاء الداخليون، التابعون لأجندات خارجية، إذ وجد بهم أرباب الاستعمار مدخلاً هامّاً، وعاملاً رئيسياً وفعّالاً في تنفيذ مآربهم وبتكلفة أقلّ من الاستعمار و التدخّل المباشر .. إنهم الدّاء الذي استوطن في جسد الشعب، فلا يمكن كشفهم بين ليلة و ضحاها، إنّما سقطاتهم و خياناتهم هي التي تكشفهم وتسقطهم الواحد تلو الآخر كلّ يوم.
كذلك نجاحهم الكبير في تأجيج الفتن و زرع الحدود حتى فيما بين أهل البلد الواحد، و تقسيم الناس على أساس المناطقية و الإقليمية و العرقية، و قد نجد ذلك الأمر جليّاً في بعض الجمعيات الخيرية المنتشرة في الداخل و الخارج، إذ يرفضون تقديم العون لمن ليسوا من أهل بلدهم أو منطقتهم، حتى و إن كان وضعهم الإنساني يُبكي الحجر و الشجر.
وإذا ما بحثنا في الأسباب الكامنة وراء نهج هذه السياسة، لوجدنا أنها تختصر في أمر واحد لا غير، أن أعداء الأمة، أدركوا أن النصر في وحدتها واتفاقها على اتباع المنهج الواحد، و الهزيمة في تفرقها و تشتتها، وقد بيّن لنا الله عزّ وجل ذلك في محكم تنزيله و حذّرنا بقوله ((وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)) سورة الأنفال 46 .
و عليه، فحلّ هذه الأزمة و سدّ هذه الثغرة إنّما يكون بالتوعية و التأسيس لجيل يعي الظروف السياسية و الاجتماعية و التاريخية لبلده بحاضرها و مستقبلها، مستلهماً من تاريخها الدروس و العبر، و القضاء على البكتيريا التي تجعل أرضنا خصبة لمثل هذه السموم و أن نستمر في مسيرة البحث عن حلول و إصلاحات سياسية و اجتماعية بناءة، تقوم على أساس الوعي الجريء، و الإنسان الحكيم القادر على تجاوز ذاته حتى درجة نكرانها.
و نرد على الذين يسعون بين صفوفنا بالفرقة وبثّ السموم، بما قاله أحمد شوقي في قصيدته أعلاه على لسان الديك:
فَأَجابَ الديكُ عُذراً
يا أَضَلَّ المُهتَدينا
بَلِّغِ الثَعلَبَ عَنّي
عَن جدودي الصالِحينا
عَن ذَوي التيجانِ مِمَّن
دَخَلَ البَطنَ اللَعينا
أَنَّهُم قالوا وَخَيرُ القَولِ قَولُ العارِفينا
مُخطِئٌ مَن ظَنَّ يَوماً
أَنَّ لِلثَعلَبِ دينا
